رأى “معهد تشاتهام هاوس” البريطاني، أن العودة المفاجئة لترشيح نوري المالكي، لرئاسة الحكومة العراقية الجديدة، تكشف أن العراق لا يزال ساحة معركة أميركية – إيرانية، وأن طهران بتأييدها له، لا يمكنها أن تتحمل عدم الاستقرار وعدم اليقين لفترة طويلة في بغداد، وتحتاج إلى “شخصية موثوقة”، في وقت يحتاج العراق فيه إلى إقرار تشكيل حكومته الآن في ظل التحديات العديدة التي يواجهها حالياً.
وبداية أشار المعهد البريطاني في تقرير له ، إلى أن تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد ترشيح المالكي مجددا، أظهر واقع النفوذ الأجنبي في العراق برغم إصرار قادة البلد على أن هذا النفوذ أصبح من الماضي بعد إنهاء وجود القوات الأميركية وبعثة الأمم المتحدة، إلا أن “العراق لا يزال ساحة معركة للتنافس الأميركي – الإيراني”.
واعتبر التقرير البريطاني أنه عندما تتكثف هذه المنافسة، فإن هشاشة العراق تظهر بسرعة، مشيراً إلى أنه عندما تصارعت طهران مع الضغوط المحلية والاقليمية المتزايدة، فإنها لم تظهر سوى القليل من الإشارات على التعب الاستراتيجي، بل أنها ردت بسرعة لتعزيز مرشحها المفضل في بغداد، وذلك في إشارة إلى المالكي.
وتابع التقرير أن واشنطن من جهتها، وفي ظل تشتتها عن العراق، سارعت إلى لمعارضة نفوذ المالكي وإيران، مضيفاً أن ظهور المالكي كمرشح مجدداً فاجئ كل الجهات الفاعلة السياسية العراقية تقريبا، لافتاً إلى أن المالكي ظل أحد أكثر الوسطاء السياسيين الأكثر نفوذاً في العراق برغم عدم توليه أي منصب منذ العام 2014، وذلك في ظل نظام غالبا ما تمارس فيه السلطة بشكل غير رسمي وليس من خلال المؤسسات الرسمية.
ورأى التقرير أن عودة المالكي المحتملة تظهر أيضا نفوذ إيران المتواصل في العراق، حتى في الوقت الذي تواجه فيه طهران ضغوطا متصاعدة في الداخل وفي كل أنحاء المنطقة، لافتا إلى أن المالكي منذ خروجه من السلطة، حافظ على علاقات وثيقة مع إيران.
وأشار التقرير إلى أنه بالنسبة لطهران، فإن العراق يعتبر مهما من الناحية الاستراتيجية من مختلف ساحات الصراع حيث تآكل نفوذ إيران وشبكاتها منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر العام 2023، مضيفا أن العراق هو بمثابة حاجز صد أمني ومتداخل مع الاستقرار الداخلي الإيراني، لافتا إلى أن طهران تتعرض للضغط من العقوبات، في حين يعمل العراق كشريان حياة اقتصادي.
لهذه الأسباب، قال التقرير البريطاني إنه لا يمكن لإيران أن تتحمل عدم اليقين أو عدم الاستقرار المطول في بغداد، وهو ما يفسر دعم طهران للمالكي حيث أنه شخصية موثوق بها وبمقدوره فرض النظام في ساحة لم تعد إيران قادرة على تركها في أيدي زعيم انتقالي ضعيف.
وفي المقابل، قال التقرير إن واشنطن سمحت إلى حد كبير للعراق بالسقوط من قائمة أولوياتها، مبيناً أنه بمجرد أن تبين إن المالكي كان المرشح الأول كرئيس للوزراء خلال مفاوضات تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، انتقلت واشنطن لكي تنخرط مجددا في الشأن العراقي.
وذكر التقرير أن إيران أظهرت من جانبها، أنها تحتفظ بالقدرة على الرد بسرعة وتشكيل النتائج في العراق، ناقلاً عن أحد كبار المسؤولين العراقيين قوله إن “إيران ليست مجرد شخص واحد، (المرشد الأعلى)، بل إنها حالة من المؤسسات. وهذه المؤسسات موجودة في العراق، كما لو أن شيئا لم يتغير”.
لكن في الوقت نفسه، قال التقرير إن واشنطن كشفت عن استمرار نفوذها، مضيفاً أنه بالنسبة للعديد من العراقيين، كانت حقيقة أن منشورا واحدا على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل رئيس أميركي، يمكن أن يعيد معايرة العملية السياسية، بمثابة تذكير صارخ بأن بلادهم تفتقر إلى السيادة الكاملة، على الرغم من الادعاءات الرسمية بعكس ذلك.
واعتبر التقرير أنه من غير المرجح الآن أن ينجو ترشيح المالكي من هذه الضغوط الداخلية والأجنبية، إلا أنه لكي يستمر الاستقرار الهش في العراق، يجب أن تتحرك عملية تشكيل الحكومة بسرعة، وتجنب الشلل الذي استمر لمدة عام آخر عقب الانتخابات السابقة، مؤكداً أن التحديات الداخلية والخارجية تعني أن العراق لم يعد بإمكانه تجنبها، وهو يحتاج إلى حكومة للتعامل معها، بما في ذلك ابقاء العراق معزولا عن الحروب الإقليمية التي لا تزال مستعرة حوله.
وختم التقرير بالقول إن الأكثر أهمية هو تداعيات المواجهة الأميركية الإيرانية المتجددة، مضيفا أن أي تهديد وجودي للجمهورية الإسلامية من شأنه أن يتردد صداه في كل أنحاء العراق، مما يؤدي إلى إغراق نظام سياسي غير مستعد لإدارة التداعيات.
وكالة قدرة الإخبارية قدره نيوز